المشهد اليمني
الخميس 18 يوليو 2024 04:26 مـ 12 محرّم 1446 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

وفد قريش يصل إلى العاصمة صنعاء !

في منطقة غيمان التي تقع جنوب العاصمة صنعاء وقعت معركة شهيرة في التاريخ اليمني اسمها ( موقعة يوم غيمان ) هذه المعركة يجهلها الكثير من اليمنيين رغم اهميتها ، في تلك المنطقة التقى الملك سيف بن ذي يزن ومعه ما يقرب من مائة الف فارس من فرسان اليمن ومعهم ستمائة فارسي كما ذكر ذلك المؤرخ الشهير ( محمد حسين الفرح ) رحمه الله ، في المجلد الثاني من كتابه ( الجديد في تأريخ دولة وحضارة سبأ وحمير ) . بعث كسرى ثمانمائة من الذين في سجونه بقيادة ( وهرز الديلمي ) وركبوا البحر في ثماني سُفن فغرقت منها سفينتان ونجت ست ووصلت الى ساحل عدن . كما ذكر ذلك ابن خلدون في تأريخه وكذلك ابن هشام وايضا نشوان بن سعيد الحميري ، كان هدف سيف بن ذي يزن من هذا العدد القليل هو رسالة للروم حتى لا يتدخلوا ..
كانت نقطة انطلاق سيف بن ذي يزن بمن معه هي مدينة ( احور ) اليزنية في محافظة ابين ، قاصدا العاصمة صنعاء لا خراج الاحباش منها ، وفي طريقه الى هناك انضم اليه الالاف من فرسان اليمن واقبالها ، وما ان وصل الى غيمان جنوب العاصمة حتى كان معه ما يقرب من مائة الف فارس من كل مناطق اليمن ، ولما علم مسروق بن ابرهة الذي كان في صنعاء حشد الحشود وخرج لملاقات سيف وبلغ جيش مسروق مائة الف منهم ثلاثين الف من (اوباش ) اليمن كما وصفهم ابن خلدون ، وكانوا بقيادة القيل ( مالك بن يزيد الصدفي ) الذي ولاه ابرهة قيادة اليمنيين ، وفي منطقة غيمان دارت معركة حامية الوطيس ، ولما قُتل مالك الصدفي انسحب من ارض المعركة من كانوا معه من اليمنيين ، فانكشف جيش مسروق واخذ جيش التحرير اليمني يفتك بهم حتى قُتل قائدهم ( مسروق ) في ارض المعركة ، وقُتل معه ما يقرب من ثلاثين الفا من الاحباش ، ولحق الحميريون بمن هرب منهم فأسروهم وامتلكوهم كما قال الطبري في تاريخه ، وبعد المعركة سار الملك سيف بن ذي يزن ومن معه نحو العاصمة صنعاء فدخلوها وسط ترحيب كبير من سكانها ، وتوجه الملك سيف مباشرة الى قصر غمدان ، وما ان ذاع خبر هذا النصر العظيم بين العرب ، حتى تقاطرت وفود قبائل العرب وشعراؤها الى العاصمة اليمنية صنعاء لتقديم التهاني لملك اليمن سيف بن ذي يزن ،
. (وفد قريش يصل الى صنعاء)
ومن اشهر تلك الوفود التي وصلت الى صنعاء وفد مشيخة قريش برئاسة عبد المطلب ابن هاشم جد الرسول صل الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في الجزء الثاني من البداية والنهاية ان من ضمن وفد قريش المصاحب لعبد المطلب ،أُمية بن عبد شمس ( جد بني امية ) و خويلد بن اسد والد ام المؤمنين ( خديجة عليها السلام ) وعبد الله بن جدعان الذي عُقد في داره بعدذلك ماعرف في التاريخ ب( حلف الفضول ) ، وغيرهم من وجوه قريش ، فلما وصلوا الى قصر غمدان استأذنوا بالدخول، فأذن لهم الملك سيف بن ذي يزن بالدخول اليه ، قال ابن كثير : فدنا عبد المطلب من الملك واستأذنه بالكلام فأذن له ، فقال له عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا ، صعبا منيعا شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعذبت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن.
فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب وربيعها الذي تخصب به البلاد، ورأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، وسلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمد من هم سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه.
ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك من كشف الكرب الذي قد فدحنا، وفد التهنئة لا وفد المرزئة.. فقال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا سلمى ؟ قال: نعم. ( والدة عبد المطلب هي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي الازدي ) قال: ادن، فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا، يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم .. اقام وفد قريش في صنعاء شهرا كاملا في دار الكرامة لا يؤذن لهم بالانصراف ، فانتبه سيف بن ذي يزن انتباهة ، فارسل الى عبد المطلب فجلس معه ثم اخبره بخبر رسول الله عليه الصلاة والتسليم ، في كلام طويل ذكره ابن كثيري البداية والنهاية ، وبعد هذا اللقاء استدعى الملك بقية وفد قريش .ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشرة إماء، وبمائتين من الإبل، وحلتين من البرود، وبخمسة أرطال من الذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوء عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. كماذكر ابن كثير وابن خلدون . الذي قال : ان ذلك العطاء يدل على شرف الدولة اليمنية وعظمتها . فلما عادوا من صنعاء الى مكة بذلك العطاء الوافر ، كان عبد المطلب كثيرا ما يقول : يا معشر قريش: لا يغبطنى رجل منكم بجزيل عطاء الملك و إن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن ليبغبطنى بما يبقى لى ولعقبى ومن بعدى، ذكره، وفخره، وشرفه، فإذا قيل له متى ذلك؟ قال: سيعلم ولو بعد حين ، اما عبد الله بن جدعان فصار من اثريا قريش ، ولما علم الشعراء في مكة بعطاء الملك سيف اتجهوا الى صنعاء ومن اشهرهم . أُمية ابن ابي الصلت الثقفي . الذي وفد الى صنعاء فدخل على الملك في قصر غمدان وقال :
واشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
في راس غُمدان دارا منك محلالا .
كانت معركة غيمان عام 572 للميلاد بعد عامين من مولد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، استقر بعدها الملك سيف في قصر غمدان بصنعاء وحكم اليمن بالكامل لمدة عشرين عام ثم وافاه الاجل ، ليخلفه ابنه ( معدي كرب بن سيف بن ذي يزن ) لمدة اربع سنوات وهو الذي استعان بسبعة الف من الفُرس مع عوائلهم ، لمواجهة ثورة الاقيال ضده وبسبب خلافه مع اخيه شراحيل ،
وعندما استقر له الامر اتخذ من الحبشة حراسا له . فاغتالوه بحرابهم في منطقة الرحبة بضواحي صنعاء كما قال المسعودي في مروج الذهب . وباغتياله انتهت الدولة الحميرية وتفككت الى مقاطعات يحكمها الاقيال خارج صنعاء الذي سيطر عليها الفرس ، حتى مجي الاسلام فاسلم ملوك حمير واقيالها ، اما الفرس فتم ترحيل الكثير منهم الى بلاد فارس عن طريق الصحابي ( قيس بن مكشوح المرادي ) كما ذكر ذلك المؤرخ محمد الفرح في كتابه ( يمانيون حول الرسول ) …. قال تعالى ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) ، حفظ الله اليمن واعاد اليها مجدها وعزها .