المشهد اليمني
الثلاثاء 16 يوليو 2024 02:46 مـ 10 محرّم 1446 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

طقوس الحج وشعائره عند اليمنيين القدماء (الحلقة الرابعة)

الاعتراف بالذنب وإعلان التوبة
جُبل الإنسانُ ــ بما يحملُ من قِيمٍ أخلاقيّةٍ تعود في جذرها إلى نزعته الإنسانية ــ على حب الخير، ومقت الشر، كفطرة إنسانية أصيلة في النفس، غير أنه قد يعترضُه عارضٌ في بعض الأحيان، فيسيطر فيه جانبُ الشر على جانبِ الخير، في تغلب شهوةٍ، أو حب سيطرة وانتقام، إلى آخر هذه النزعات الشريرة في النفس الإنسانية أحيانا. ومع أنه قد يتلذذُ بهذا الفعل غير الإيجابي، أو التصرف "الشرير" الذي يؤدي إلى الإضرار بالغير؛ لكنه ما يلبثُ بعد حينٍ أن يراجعَ نفسه، عقب حالة داخلية يمر بها، تُعرف بمرحلة "سَأم ما بعد اللذة"؛ إذ يتغلبُ عليه الجانبُ الإيجابي على السلبي، والخير على الشر، ومن ثم تكون "المراجعة" الذاتية، ثم الشعور بالندم، جراء هذا التجاوز، ومن ثم يبدأ في البحث عن محو تلك الخطيئة، أو ما يراه كذلك، فيسارع ــ من ثَمَّ ــ إلى التوبة والتكفير؛ إمّا ماديًا بالنذور والهبات والصّدقات ورد المظالم، وإمّا معنويًا بالاستغفار وطلب الصفح والغُفران من السماء. وهي ظاهرةٌ عامّة لدى كل الأديان، السّماويّة والأرضيّة على حدٍ سواء.
وتأتي المواسمُ الدينيّة فرصة لهذا الإعلان والمبادرة، والحجُّ على رأسها.

لقد أعلنَ اليمنيُّ القديم ندمه وتوبته في موسمِ الحج، كتطهيرٍ للنفس من آثامها، في شجاعةٍ أخلاقيّةٍ عالية، تعكس حسه المدني، ورقيّه الحضاري، وفطرته السّليمة.

من هذه الاعترافات، نقش: CIH 547؛ حيثُ يذكر أنّ أهل أمير "قبيلة أمير" وأهل عثتر يعترفون ويكفّرون عن خطيئتهم للإله "حلفان"؛ لأنهم لم يؤدوا الصّيد المقدس في موعده المحدد، وألا يكرروا مثل ذلك مرة أخرى، وليتقبل الإله "حلفان" توبتهم. وأيضا النقش CIH 523؛ حيث يعترف "حرم بن ثوبان" للإله ذي سموي باقترافه عددًا من الخطايا، تُعد في نظر القانون القُدسي من الآثامِ التي يستحق مرتكبوها العقوبة الشديدة، فالمتقدم بالنقش يتضرع ويتوسل للإله، طالبًا المغفرة والتوبة لما ارتكبه من خطايا، تتمثل في:
1ــ قارَبَ امرأة في فترة التحريم.
2ــ دخل على نفاسٍ، وهي غير طاهر، وكسوته غير طاهرة.
3ــ لمسَ أنثى حائضًا، ولم يغتسل، وكانت كسوته متسخة.
نفسه، 176. والنص من نصوص الباحث إبراهيم الصلوي.
وكان قبول الاعتراف والتوبة يتطلب من المخطئ دفع كفارةٍ أو غرامةٍ، وهي مبلغ من المال، يعتمد قدره على جسامة الذنب..

التوسلات والأدعية والنذور
كان الحُجّاجُ وزوارُ المعابد في الحج وغير الحج يمارسون شعيرة التوسُّلِ والدعاء إلى الإله بغفران الذنب، وطلب الذرية الصّالحة من الذكور الأصحّاء، لمن حُرم نعمة الأبناء الذكور، وكذلك التوسل للإله، بطلب الحماية من الكوارث والأمراض، وكسب رضا الحكام.. إلى جانب منح الخصب الإنساني والزراعي والنمو والشفاء، وإنزال المطر، ودرء الأرواح الشّريرة والعين الحاسدة.. إلخ.
انظر: الفن المعماري والفكر الديني، 97.
وقد كان اليمنيُّ القديمُ يتوجه لآلهته بتضرعاته وتوسُّلاته، ويعتبرُ ذلك بمثابةِ تَقدمةٍ، يتقربُ بها للإله المعبود، ويأملُ من الإله الموجهة له أن يحققَ له ما طلبه من خلالها..
انظر: القرابين والنذور في الديانة اليمنيّة القديمة، سابق، 534.
وكان السُّكانُ في ذلك العصر يقدمون النذورَ إلى معابدِ الآلهة، طلبًا للشفاء من مرض، أو عودة بالسّلامة من سَفر أو حرب، وطلبًا لمواليد ذكور، أو موسمٍ زراعيٍ خصب.

الولائم
كانت الوليمة أحد الطقوس الدينيّة في شعيرةِ الحج عند اليمنيين القدماء؛ حيث كان مكاربة حضرموت يقيمون الولائم الدينيّة ويشرفون عليها. كما كان يفعلُ أيضًا مكاربة سبأ.
واحتوت بعضُ المعابد الحضرميّة الضّخمة على مبانٍ كانت متماثلة ومتشابهة، كان من ضمنها قاعات للطعام، ففي مدينة "ريبون" اشتملت بعضُ معابدها على قاعاتٍ للطعام، منها معبد ميفعان الذي يتكون من عدة مبان، وجد المبنى رقم 2 الذي يقع شمال المبنى الرئيس للمعبد، وإلى الغرب من المصطبة.. وتبلغ مساحته 8,5 في 15 كان يمثل قاعة الطعام في المعبد؛ حيث عُثر فيه على بقايا أدواتِ الطبخ ومائدة، وعلى عدد كبير من بقايا عظام الحيوانات، وأيضا وجد في معبد رحبان، المبنى رقم 7 إلى الجنوب من المبنى الرئيس للمعبد.. وأبعادها 7 في 9 م، ومن خلال تخطيط المبنى يُحتمل أنه استُعمل لإقامة الولائم الدينية، وفي معبد "كفس/ نعمان" احتلت قاعة الطعام المبنى رقم 1، الجزء الشمالي لمبنى المعبد الرئيس.. وتبلغ مقاساتها 13 في 15م، وهي تحتوي على عدةِ غرف، كما وُجد فيها بقايا 25 عمودًا، كما عُثر على قاعاتٍ للطعام في عدة معابدَ أخرى، ومنها معبد الإله سين في ريبون.. وقد اشتملت هذه المعابدُ على غُرف، أو قاعاتٍ للطعام، اكتُشفت في وسطها دعاماتٌ ومقاعد حجرية "مصاطب" ومائدة للولائم، وتقوم المائدة على دعامات، كما عُثر على مائدة للقرابين وأدوات مطبخ، وأيضا على عظام حيوانات متنوعة على سطح أرضيات تلك القاعات.
انظر: الإله سين في ديانة حضرموت، 77.

وما تجدرُ الإشارة إليه هنا هو أنّ الولائم لم تكن تقتصر على موسم الحج فقط؛ بل كانت مستمرة للزائرين على امتداد العام؛ إلا أنها في موسم الحج أكثر، نظرًا لأعداد الحجيج المتوافدة في هذه الشعيرة المقدسة.
ويبدو أنّ سرَّ تميُّزِ الحضارمة إلى اليوم بفنونِ الطبخ والولائم الجمعيّة وعشقها وإجادتها راجعٌ إلى ذلك الرصيد المتراكم من إرث الآباء والأجداد، المتشكل عبر هذا الزمن الطويل منذ آلاف السنين. ففنُونُ الطبخ الحضرمي مضربُ المثل ليس في اليمن فقط؛ بل على المستوى العالمي، إلى حد أنّ بعض مالكي المطاعم في بعض عواصم الدول الكبرى اليوم أصبحوا يسمون مطاعمهم بأسماء حضرمية، لكسب ثقة المترددين عليها..! وتكتسب المطاعم الحضرمية اليوم ثقة المواطن الخليجي والعربي بدرجة رئيسية.
المطبخُ الحضرمي ــ من ثمّ ــ عريقٌ وأصيل، وله تاريخٌ ضاربٌ في جذوره إلى آلافِ السنين، ارتبط في نشأته الأولى بالسّماء، فباركته السّماء إلى اليوم.

صلاة الاستسقاء
أشارت نصوصُ المسند إلى نوعٍ مُعينٍ من الصّلاة لدى اليمنيين القدماء، وهي صَلاة الاستسقاء التي مارسها عربُ الجنوبِ قديما، للتقرب من الآلهة، من أجل نزولِ الأمطارِ عندما تُصاب المنطقة بجفافٍ يهددُ حياةَ السكان، فيقدمون الهدايا للآلهة، ويخرجون بالأضاحي إلى العَراء لذبحها، ويردد السُّكان الأدعية والأناشيد الجماعية. وتذكرُ بعضُ الإشاراتِ أنها قد تُؤدّى أثناء الحج.
انظر: دراسات في التاريخ الحضاري القديم، 174.

وهناك نقشٌ، عبارة عن دعاء عُثر عليه بوادي قانية "محافظة البيضاء" وهو موطنُ قبيلة آل معاهر "أقيال ردمان خولان". في ذلك الموقع شُوهدت صخرتان، نُقشت عليهما كتاباتٌ ومخربشاتٌ بخط المسند، ورسومٌ حيوانيّة وآدميّة كصور الوعل، وصور شخص يحمل رُمحًا. واللافتُ للنظر أنه في خاتمة كل سطرٍ يوجد حرفان مكرران "الحاء والكاف"، وبعد فك رموزها وُجد أنها قصيدة مكونة من 27 سطرًا، والقصيدة في مضمونها عبارة عن نشيدٍ يتقرب فيه المواطنون إلى آلهة الشمس، آلهة المطر لديهم، كما يحتوي النص على الابتهال والاستسقاء، وكأنه أنشودة للمطر.
انظر: أثر الحضارة اليمنيّة في تطور القيم الجمالية في المعابد اليمنيّة القديمة، منال سعد سالم محمد، رسالة ماجستير، جامعة عدن، 2001م، 64. وانظر أيضا: انظر: دراسات في التاريخ الحضاري القديم، 174.

وقد أقرّ الإسلامُ هذه الصّلاة، وتوارثها اليمنيون إلى اليوم، كما توارثها كلُّ المسلمين؛ حيث يؤدون صَلاة الاستسقاء، مصحوبة ببعض الأدعية والتوسل لله ــ عز وجل ــ بالسُّقيا والغيث.
ويشيرُ النقش Ja 653 إلى صُورةٍ من صُور التعبُّد الديني، في عهد الملك شمر يهرعش، ممثلة في صلاة الاستسقاء، وهو كما يلي:
1ــ ش ع ب ن/ س ب أ/ ك هـ ل ن/ ه ق ن ي و "إ ل م ق هـ".
2ــ أ ث هـ و ن ب ع ل أ و م/ ص ل م ن هـ ن/ ذ ذ "ب ن".
أتباع قبيلة سبأ كهلان قدموا للإله "المقه" ثهوان بعل أوام تمثالين من البرونز. وذلك شُكرًا بما منحهم في طلبٍ وتوكلٍ طلبوه من سيدهم المقه بعل أوام، قبل سقوط أمطار سنة ودد إل بن حزفر الثالثة، وتفاءلوا من المقه، ليمنحهم سقيا وفيرًا لمأرب وأوديتها ومراعيها، بيوم الرابع من شهر "ذو مليت" من هذا العام، وفي اليوم الذي طلبوا من المقه، فمنحهم مطرًا وسقاية الذي أرضى أتباعه، حتى العشر الأواخر من شهر "ذو مليت"..
انظر: الأوضاع السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية في عهد الملك شمر يهرعش، خلدون هزاع عبده نعمان، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، د. ط، 166. وأيضا: ص: 168.

وأهم نقش يحدثنا عن صَلاة الاستسقاء هو Ja 375، حيث يقدم لنا هذا النقشُ وصفًا ينبضُ بالحياة للكيفيّة التي يتم فيها ممارسة الطقوس الخاصّة بالاستسقاء، فيحدثنا النقش عما أصابَ بلادَ سبأ من قحطٍ شديد بسبب الجفاف ونُدرةِ الأمطار الذي استمر عامًا ونصف العام، مما دفع قبيلة سبأ وبنات مارب للسير إلى معبد الإله المقه "معبد أوام"، في موكبٍ دينيٍ، حيث أطالوا دعواتهم وتضرعاتهم، وأكثروا من تقديم القرابين، ومن الطواف إلى أن تمت الاستجابة لدعواتهم في اليوم نفسه، فهطلت الأمطار بغزارة، وملأت مياهُها حقولَ الزرع، وروّت كلَّ الوديان والحقول.
انظر: دراسات في التاريخ الحضاري القديم، 175.

وهناك نقش: Ja 658/1-12يتحدثُ عن صلاة الاستسقاء، قامت بها قبيلة سبأ كهلان للإله المقه، لغرض أن يمنحَها المطرَ بعد جفاف، ويعطيهم الإله إشارة بتحقيق ما طلبوه منه، وبعد ذلك حقق لهم الإله مرادهم، بأن أنزل عليهم المطر، وكان نزول المطر في اليوم الرابع.
وثمة قصيدتان بخط المسند، وهما عبارة عن دعاء استسقاء، إحدى تلك الأناشيد يتوجه فيها صاحبُها بالدعاء إلى الإله "كهل"، وهو الإله الرئيس لقبيلة "كندة"، طالبًا المطر بعد اشتدادِ أزمة القحط؛ حيث شحّت الأمطار، وجفت الآبار والوديان. نفسه، 175.