الإثنين 15 أبريل 2024 10:08 مـ 6 شوال 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل
الحكومة اليمنية: أوشكنا على توقيع خارطة الطريق واتفاق صرف المرتبات لكن مليشيات الحوثي أفشلت ذلك تعليق قوي للحكومة اليمنية الشرعية بشأن الرد الإيراني على اسرائيل إصدار أول تأشيرة لحجاج اليمن للموسم 1445 وتسهيلات من وزارة الحج والعمرة السعودية محافظ تعز يتدخل في قضية ابتزاز الإعلامية مايا العبسي ويصدر توجيهاته مصادر مطلعة لـ”العربية” ترد على مزاعم مشاركة السعودية في اعتراض الهجمات الإيرانية على اسرائيل دوي انفجار في منزل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي ومصدر يكشف السبب هل تصدق توقعاتها...العرافة اللبنانية الشهيرة ليلى عبد اللطيف تُحذر من كارثة في اليمن وتحدد موعدها انقطاع خدمة الإنترنت في هذه المحافظة اليمنية الإفراج عن اليوتيوبر الصنعاني المعتقل لدى الانتقالي الجنوبي المسرحية مستمرة.. إسرائيل تكشف لإيران كيف سترد عليها وزير الخارجية يبحث مع فرنسا دعم الشرعية في كافة المجالات التنبؤات الجوية يحذر من امطار رعدية خلال الأيام المقبلة: هذا ما أظهرته الأقمار الصناعية

ليلة عاد فيها القمر !

في نهاية عام 1993م أمسك بيدي أحد الشباب من قطاع الصلاة قائلا:

- اليوم سنذهب للمقيل عند الرفاق.

سألته:

- الرفاق ؟

هز رأسه وأجاب :

- أعضاء وقيادة الحزب الاشتراكي بالمديرية .

وأضاف :

- القات والبيبسي والماء علي.

تغدينا ومشينا قرابة خمسة كيلو متر في شمس الصيف الحارقة حتى تعبنا وعرقنا وتبللت ملابسنا ، وحين أنهكت تماما ارتميت تحت شجرة لأستريح ، سألته وأنا ألهث وأتنفس بصعوبة :

- أين مقيل الرفاق هذا ؟

أشار إلى قرية قريبة :

- المقر هناك .

وصلنا القرية ثم أنسللنا من بين عشرات السيارات المتوقفة بجوار المقر ، دخلنا المكان سلمنا عليهم فردوا علينا بفتور ، حشرنا أنفسنا وسط الجالسين ، بعد قليل دخل أحدهم من باب جانبي فقام الجميع وقمنا معهم ، أشار علينا بالجلوس فجلسنا .

سألته :

- من هذا ؟ هل هو الشيخ ؟

- شيخ ايش فضحتنا ؟ هذا الأمين العام .

وبدأ الأمين العام يتحدث قائلا :

- أيها الرفاق أحيي حضوركم النضالي ، وأنقل إليكم تحية قيادتنا ، قيادة العمال في موسكو وعدن وعموم العالم .

وحين صرخ :

أقول للرجعيين المعفنين لقد عرفناكم قمت ساحبا يد صاحبي لنهرب فناداني الأمين العام :

- لماذا وقفت يا رفيق ؟

ارتبكت ثم تماسكت وأجبته :

- نحن معفنين لأننا مشينا من قرية الظهرة فعرقنا وتعفنا..

وضج المقيل بالضحك.

- لا أقصدكم يا رفيق اجلس.

جلست وواصل الأمين العام حديثه.

بدأ البعض يتهامسون بجانبي ثم ارتفعت أصواتهم ولم أعد أسمع ما يقول الأمين العام.

لم أعد أحفظ من كلامه الا البروليتاريا الرثة .

سألت صاحبي :

- من هي هذه البروليتاريا الرثة ؟

هز رأسه :

- لا أعرفها .

قبل المغرب انتهى الاجتماع ووزعوا علينا رزمة من الأوراق لنوزعها .

قال صاحبي :

- توجد سيارة من قرية الأكمة سنركب معهم ، هيا تحرك .

سبقني صديقي إلى السيارة فيما بقيت أبحث عن حذائي فلم أجده.

الناس ينسلون تباعا ، والسيارات تتحرك واحدة تلو الأخرى حتى صديقي غادر مع السيارة وأنا أبحث عن الحذاء.!

قررت أن أبقى حتى يذهب الجميع لعلي أجده ولكن دون جدوى ، وسألت نفسي :

ــ هل سأعود كل تلك المسافة حافي القدمين ؟!

لم يبق في المجلس سوى ثلاثة أشخاص والأمين العام. وحين خرجوا وجدوني في الباب .

ــ سرقوا حذائي يا أستاذ .

مطوا شفاههم تعجباً ولبسوا أحذيتهم وذهبوا.!

صعدوا السيارة ومضوا دون أن يسألوني إلى أين سأذهب أو يوصلوني معهم ، حارس المقر نظر إلي بريبة ثم أغلق الباب وعاد إلى الداخل .

عدت حافيا أدوس الأشواك والأحجار ، أقدامي تتألم ، قريتنا تبدو بعيدة جداً ، الليل يهطل بظلامه وأنا أسير وأتلفت خلفي لعل سيارة تأتي وتنقلني إلى قريتي ولكن كأن الطريق قد توقفت تماماً .

أحث السير وشيئا من الخوف بدأ يداخلني كلما زاد الظلام ، وفي الأفق البعيد لمع البرق وتبعه الرعد ، ثم تتابع البرق وتعالت أصوات الرعود وبدأ أنها ستمطر والطريق يطول كأنه بلا نهاية .!

بدأ المطر يتساقط بغزارة ، الرياح تعصف من حولي ، والطريق بدت معالمه تضيع في الظلام ، أجري سريعا كمن يهرب من عصابة خطرة .!

من بعيد لاح لي ضوء يتسلل من نافذة غرفة بجوار الطريق ، هرعت إليه ، دخلت سريعاً إلى دكان ذلك العجوز الذي يدق أوراق القات في الهاون ويستمع للراديو رغم هطول المطر .!

بدا كأنه خاف من دخولي المفاجئ عليه وأنا مبلل وأرتعش مثل عصفور ثم تماسك وسألني :

ــ من أين أنت ؟

ــ من بني عمران

ـ ابن من ؟

ــ بن مصطفى دارس

عند سماعه لاسم والدي قام ومد يده وصافحني ، ومد إلي بكرسي داعيا إياي للجلوس ، ناولني علبة ماء وعلبة بيبسي قائلاً :

ــ أبوك الله يرحمه كان صاحبي .

نظر إلى قدمي وسألني عن الحذاء فرويت له القصة فضحك قائلاً :

ـ هؤلاء بلا دين أو ضمير .

نظر مرة أخرى إلى قدمي ثم قام إلى زاوية الدكان وعاد بحذاء جديد وناولني إياه .

رفضت تناوله فأصر ، لبست الحذاء وشكرته ، لم يكن معي من النقود لأدفع ثمنه لكني مددت يدي إلى جيبي فأقسم أن لا يأخذ مني ريالاً .

ظل يحدثني عن والدي وذكرياته معه وأنا أرتعش من البرد وقد داهمتني حمى شديدة ، كل همي كيف أجفف ملابسي المبللة ؟ وكيف سأعود إلى منزلنا وأنا بهذا الحال ؟!

أقبلت سيارة وتوقفت أمام الدكان صاح به العجوز :

ــ أشتي منك خدمة يا عبده المجهدي

ـ تأمر يا حاج

ــ أوصل ابن مصطفى إلى الحرورة .

أشار السائق بيده إلي ، شكرت العجوز وودعته ، ما إن فتحت باب السيارة وهممت بالدخول حتى صاح :

ــ أين تدخل وأنت هكذا مبلل ؟!

هرع العجوز ووضع في مقعد السيارة بطانية قائلاً للسائق :

ــ أرجع البطانية عندما تعود .

وصلت البيت وأنا أرتعش من الحمى أسرعت وخلعت ثيابي وبدلتها بثياب أخرى ، هدأت قليلا ثم رويت لهم ما حدث لي فلم يصدقني أحد .!

هطل المطر من جديد ، الرياح تعصف وتكاد تقتلع النوافذ ، بعد ساعة بدأنا نسمع أصوات السيول من كل مكان .

حين توقف المطر خرجت إلى الأكمة بجوار البيت ، كان قمر منتصف الشهر قد أطل وبجواره غيمة وبدأ كل شيء واضحا والسيول تتدفق من كل جهة .

في الصباح نزلنا إلى الطريق ، لقد جرفت السيول أشياء كثيرة ، هناك سيارة غارقة إلى منتصفها ، وحين اقتربنا منها لم تكن سوى سيارة الأمين العام .

بعد ساعة استطعنا إخراج السيارة .

ما لم يخطر لي على بال أنني وجدت فردة حذائي فأخذتها وبقيت أبحث عن الفردة الأخرى ولكن دون جدوى ، أبقيتها ذكرى ليوم مختلف وليلة استثنائية .!

*قصة قصيرة