الأربعاء 21 فبراير 2024 09:12 صـ 11 شعبان 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

من يصلح الملح ؟!

الغيبوبة التاريخية لهذه الأمة!

ذات يوم وفى قلب القاعة المكتظة بالحاضرين بمشهد يعرفه الكثير أيام جماهيرية ليبيا، قبل ثلاثة عقود، كانت منصة الخطابات تكاد تلامس الجمهور المتصبب عرقا وحماسة، جمهور جُمع من دول شتى متشنج إلى درجة تجعلك تتمنى السلامة والخروج من اللقاء الذى صار مأزقا حقيقيا، فقط تخرج بسلامة الروح لا أكثر. يصعد الخطيب تلو الآخر وترى الأعناق تشرئب، والحناجر تهتف بشعارات لا تتوقف عن الإنجاز الثورى، وفى كل مرة يذكر فيها اسم الزعيم ترد الجماهير بصراخ يكاد يدخلها فى غيبوبة. تحول المكان وكأننا فى قاعة زار عجيبة، حتى صعد المنبر مشارك أجنبى، ألقى خطابا حماسيا بالبرتغالية وبصوت ألهب القاعة المكتظة أكثر. اكتشفت أن معظم الحضور لا يعرف البرتغالية مثلى، لكن الرجل أدرك نفسية القطيع، فبقى بين الفينة والأخرى يذكر اسم الزعيم بقوة فترد القاعة بهتاف أقوى وتصفيق لا يتوقف، كان القطيع منسجما مع حالة الغيبوبة التى يعيشها.

وفى مشهد آخر غير بعيد، فى ضاحية بيروت التى بقيت لعقود عاصمة للكتاب والنشر وفضاء للحرية والتنوع الدينى، ترى مشهدا يدمر كل ذلك التاريخ، ويختزل بلد التنوع فى مشهد عجيب آخر، حيث الآلاف متراصة فى انتظار الزعيم يطل بعمامته على الشاشة يلقى خطابا غيبيا، وغابت الثقافة بحضور العمامة. هنا يحضرك قول جوستاف لوبون ومقولته الشهيرة التى يقول فيها: «ينزل الفرد عدة درجات فى سلم الحضارة بمجرد انخراطه فى جمهور منظم، قد يكون إنسانا مثقفا عندما يكون فردا منعزلا، لكنه بمجرد انضمامه لجمهور من الناس، يصبح مخلوقا بشعا، يتصرف بفطرته ويشبه الفرد داخل الجمهور حبة رمل وسط حبات رمل آخر»، قد يحضرك القول لأنك غدوت حبة رمل.

وفى تجمع للجماعات المتحوثة (نسبة للحوثى) بصنعاء، ما يشبه حبات الرمل تلك بل، وأكثر وضوحا، حيث مئات الأشخاص الذين حتما كانوا لفترة وجيزة طبيعيين، صبغوا انفسهم بالمناسبة الدينية/ السياسية من قمة الرأس حتى أخمص القدمين باللون الأخضر. فالتعليمات الثورية التى جاءت استجابة لنداء إلهى هذه المرة تتطلب إبراز اللون الأخضر وهو غير لون القذافى وإن كان أشد جنونا، والشخص الذى لا يتزين بالأخضر يصبح كافرا وضد الثورة أيضا، فتم طلاء صنعاء بلون شجرة القات، وكأنها حفلة زار أخرى. المنظر ظهر أكثر جنونا من أى خيال سينمائى، الأفواه تمضغ القات بأوراقه الخضراء فتنتفخ الاوداج وتجحظ الأعين، لتجد نفسك حاضرا فى مشهد لفيلم عبثى عن الزومبى الأخضر لا فى حفل سياسى حاشد. حولوا أنوار منازلهم وملابسهم وأشكال أسمالهم إلى نسخة من أوراق شجرة القات الملعونة تلك. ويشتد الجنون إلى ذروة فقدان العقل حيث يقفون رافعين أذرعهم بطريقة التحية النازية المعروفة، ويطلقون صرختهم الشهيرة (بالصرخة الخمينية)، هذه المرة باللغة العربية غير المفهومة كونها ممضوغة بالقات لا بالبرتغالية حتما!.

تجد بين المصبوغين بالأخضر، أساتذة جامعة فاقدى الأمل، ومهندسين سابقين، وأطباء تركوا المهنة والتحقوا بركب المعجزات. ويحضرنا جميعا هنا قول جوزيه ساراماجو عندما قال: «الأكثر رعبا من العمى هو أن تكون الوحيد الذى يرى. وبالتالى يذوب الكل فى القطيع. إنها العزلة القاتلة التى تقودُ بلدا نحو الغيبوبة التاريخية حتما. لا تعنينى كل تنظيرات البطولات الوهمية، وتقاطع المصالح المتهالكة، فنحن نسير نحو هاوية الغيبوبة التى يصعب العودة منها. نعم تحضرنى قراءات عن خطورة العزلة الجماعية للمجتمعات، هذه العزلة التى تصنع وهما وتكون السبب الأصيل فيما يعانيه الناس الآن. ولعل أوضح صورها تكمن فى ترسيخ الخرافة ونشر الجهل، وإهمال التعليم وتنشئة أجيال كافرة بمعنى الدولة والمجتمع».

وبسبب الانقطاع عن العالم حضاريا نجد هذا الانتشار لثقافة التزمت والتشدد وعدم القبول بالآخر، وتجدها لدى كل الأطراف. وهى ظاهرة مقيتة تنمو دوما كسبب ونتيجة معا للجهل وفقدان مصادر المعرفة. وبسبب تلك العزلة، يعانى الناس الهلوسات أبرزها: «الاعتقاد بالمؤامرة».. حيث يعتقدون أن العالم كله يتآمر على إنجازهم الثوري! لذا ترى القطيع فرحا يستعرض أسلحة شتى يتباهى بالقوة الزائفة، مرددا وهما بأنه سيقود مسيرة إيمانية تغير الكون، ثم نصرخ فى وجه العالم نريد رواتب وخبزا للأطفال!، ونُصِّر على نشر خطاب الكراهية والتشظى، فالعزلة دائما ما تفقد أصحابها قدرة الشعور بالآخرين.. فتحولهم إلى مسوخ مؤذية وبشعة. نعم سنحتاج إلى جهد هو أشد تعبا من جهد بناء المدن فى إعادة بناء البشر. وسيرهقنا الوقت أكثر فى عملية استعادة نخبة مدركة للخطر وقادرة على التضحية، حيث نحتاج النخبة القدوة فى كل شىء قبل أن تفسد كلية. وإذا كان الملح يقى اللحم من الفساد، فمن يصلح الملح.. إذا الملح فسد؟