المشهد اليمني
الخميس 20 يونيو 2024 03:21 صـ 14 ذو الحجة 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل
ألمانيا تحجز مقعدها في دور الـ16 ليورو 2024 واسكتلندا تبقي آمالها بالتعادل مع سويسرا مصر تثير الرعب في إسرائيل ...هل تهاجم اقوى دولة عربية اسرائيل ؟؟ اشتهرت بالاغاني اليمنية...شاهد: المطربة ”شمايل” تخرج عن صمتها وتكشف سر تركها الغناء وتحسم الجدل بشأن حقيقة جنسيتها شاهد: لماذا اختار نجم الهلال السعودي كوليبالي أداء فريضة الحج في هذا الوقت؟ إجابة مفاجئة من نجم الهلال! حقيقة تورط مدير امن عدن باختطاف قائد عسكري كبير من أبناء محافظة أبين ”مفاجأة في المشهد اليمني: شاهد: ظهور جديد لعلي محسن الأحمر يثير ضجة على وسائل التواصل” وزارة الأوقاف والإرشاد تدعو إلى التصدي لخرافة ”يوم الغدير” وفكرة ”الولاية” ”الاقتصاد الصيني يزدهر بفضل... أبقار اليمن ونحله؟..كاتب صحفي يكشف فصول مسرحية الحوثيين الجديدة” جريمة قتل وحشية تهز محافظة تعز: فتاة في الخامسة عشر تُختطف وتُقتل بوحشية ”فرصة أخيرة للحوثيين للنجاة من هزيمة ساحقة”...صحفي يكشف الوقت الأمثل لتسليم الحوثيين سلاحهم والمدن قبل النهاية الوشيكة الوية العمالقة توجه رسالة الى المملكة العربية السعودية الحوثيون يضعون مدينة يمنية تاريخية على خط النار: مخاوف من كارثة إنسانية

عن ‘‘المغفلة’’ التي أحببتها!

منذ أيام وفي ذهني فكرة قصة تلح علي بإصرار غريب كأنها ذبابة تحوم فوق رأسي ، أطردها فتعود بعناد عجيب ، لكنني لم أستطع كتابتها بعد .!
قصة تحتاج إلى تهيئة ذهنية مكثفة، وإلى هدوء وراحة بال وانسجام نفسي ، أقدر الأمر هكذا وإلا ففي الكثير من الأحيان ما إن أبدأ بكتابة القصة حتى تنداح الأفكار وأجد نفسي وقد شارفت على نهاية القصة وبصدد وضع نهاية مفارقة لها .!
بينما كنت قبل البدء بالكتابة أقدر أنني بحاجة إلى هدوء تام وإلى ارتياح وخلو من الهموم والهواجس.!
والعجيب والغريب أن أجمل القصص التي كتبتها ونالت الكثير من الإعجاب كتبتها في جو من الصخب والإزعاج، كان بجوارنا عرس والضجيج على أشده ، وجاء إلينا بعض الأقارب ، وتجمع الأطفال وصاروا يجرون في كل أنحاء البيت ويلعبون وكأننا لا وجود لنا، وكنت حينها في عالم آخر .!
وبعد ساعة أكملت أجمل قصة كتبتها في حياتي.!
وهي مفارقة تؤكد أن الكاتب ـ في الغالب ــ متى بدأ في الكتابة غرق في عالمها ونسي ما حوله حتى يكمل نصه ليعود إلى واقعه كأنه كان تحت تأثير شلال من الإلهام الإبداعي ثم فاق منه .!

لدي فكرة قصة منذ سنوات ولم أكتبها لأن بطلها صديقي ، ويكن لي كل تقدير واحترام ، ولذا لا أريد أن أخسر هذا الشخص بسبب قصة .!
لدي قناعة أنني مهما غيرت وبدلت وحورت فيها سيدرك أنها قصته وأنه المعني بها ولذا لم أكتبها ولم تغادر ذهني.!

في العام 1996م قرأت في مجلة " العربي" الكويتية أول قصة لأنطون تشيخوف ، كانت بعنوان " المغفلة " يتحدث فيها عن مربية أطفاله التي غالطها أثناء دفع راتبها فيما استسلمت بهدوء لهذه المغالطة ولم تحتج ولم تعترض أو حتى تتحدث.!
غالطها ليجرب ردة فعلها فوجدها مستسلمة بشكل صادم ، بل لقد شكرته .!
بعدها أعاد إليها نقودها وصارحها :
ــ ( لقد غالطتك ، لقد سرقتك .!
ليختم القصة بسؤالها :
ــ لماذا لا تحتجِّين ؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاَّ تكوني حادَّة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني مغفَّلة إلى هذه الدرجة ؟
ابتسمتْ بعجز ، فقرأت على وجهها: ممكن!
سألتها الصفح لهذا الدرس القاسي، وسلَّمتها بدهشتها البالغة، الثمانين روبلاً كلَّها. شكرتني بخجل وخرجت.
تابعتها بنظراتي وهي خارجة،
وفكَّرتُ:
…… ما أبشع أن تكون ضعيفًا في هذه الدنيا.! ) .
قرأت القصة وأحببتها وقلت في نفسي:
ــ أريد كتابة مثل هذه القصص.
وحاولت مرارا فكانت محاولات لو قرأتها الآن لضحكت على نفسي، ولولا أنني واصلت الكتابة ولم أحبط لما كتبت بعد أكثر من عشرين عاما قصة أعجبت الناس ، ولم تصدر لي حتى الآن عشر مجموعات قصصية ولدي ثلاث مجموعات شبه جاهزة.

كانت قصة تشيخوف كسائر قصصه بسيطة تقرأها فتظن أنك ستكتب الكثير من القصص مثلها لبساطتها وسهولتها وجمال فكرتها، لكن عندما تبدأ محاولاً كتابة قصة مثل " المغفلة " تجد الصعوبة البالغة، وهذا ما يسمى بـ " السهل الممتنع " أن تقرأ لكاتب فتندمج في عالم القصة وتعيش معها ثم تجد نفسك في فترة بسيطة قد أكملت قراءة القصة دون أن تشعر.

البعض يظن أن كتابة القصص عملية سهلة جدا لكنها برأيي أصعب كتابة في العالم ، المقال فكرة تضع لها مقدمة ثم تعرض الفكرة ثم تضع لها الخاتمة التي تريد قولها وينتهي الأمر ، لكن القصة مختلفة تماما ، بناء محكم كأنه عقد لؤلؤ لا تزيد حبة ولا تنقص حبة ، بعض القصص ترهق تفكيري لأسبوع كامل وهي تتشكل في الذهن بأحداث مختلفة ، وأظل في شرود عمن حولي أكتب وأحذف وأضيف وأعدل لأيام ، وكل هذا في الذهن فقط ثم أبدأ الكتابة وفي منتصف القصة يتحول الخط الذي رسمته لأحداث القصة إلى طريق آخر لم يخطر ببالي فأمضي معه حيث تأتي أفكار جديدة وأنا في منتصف الأحداث ، أفكار تغير القصة تماما ولكن للأفضل.
القصص القصيرة فن ساحر تقرأه بمتعة وسلاسة فيتغلغل في روحك ويتسرب في وجدانك كأنه سلسبيل ينساب في جدول ، ويطبع في ذهنك الكثير من الأفكار والقيم والمفاهيم التي تبقى كنقش حجري وإن لم تتنبه له .
القصص الجيدة هي التي لا تستطيع تركها ، هي القصة التي تظل متشوق لمعرفة نهايتها وفي الوقت نفسه مستمع بقراءتها ، هي القصة التي تلهمك فكرة لقصة قد تكون مغايرة للقصة التي قرأتها أو مشابهة لها في جزئية بسيطة لكن ما يهم هو فكرة القصة.

القصص ليست مواعظ ، هي فن ولكن في ثناياها فكرة تتغلغل في ذهن القارئ دون أن يشعر ، القصص تلمح ولا تصرح ، تومئ بإشارة يفهمها الحليم ، أسلوبها الساحر الممتع يترك أثر غير مباشر ، أثر خفي وخطير في الوقت نفسه ، القصة أخطر من المقال بألف مرة لكنهم يقرأونها غالباً قراءة سطحية ، القصة خالدة والمقال آني ابن يومه او أسبوعه بينما تبقى القصة ويكتب لها الخلود وتقرأ بكل اللغات والأماكن ، ما زال الناس حتى اليوم يقرأون قصص انطوان تشيخوف وجي دي موباسان وإدغار الآن بو وماركيز ويوسف ادريس ونجيب الكيلاني ونجيب محفوظ وغيرهم رغم موتهم ورغم أن لنا اكثر من قرن منذ كتب انطوان تشيخوف قصصه وما تزال إلى اليوم نماذج مدهشة خالدة لأنها تجسد أشواق وآلام وآمال الإنسان في كل زمان ومكان .