الأربعاء 28 فبراير 2024 11:26 صـ 18 شعبان 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

نفهم لماذا قفز الزبيدي على كلمة ”الوحدة”.. لكن لماذا قفز على كلمة ”الجمهورية”؟!

محمد العلائي
محمد العلائي

كما كان متوقّعاً، استثنى عيدروس الزبيدي كلمتي "الجمهورية" و"الوحدة" من نصّ "القَسَم الدستوري" الذي تلاه يوم الثلاثاء في عدن مع بقية أعضاء مجلس القيادة الرئاسي - المشكَّل حديثاً.

يمكن ببساطة أن نفهم لماذا فعل الرجل ذلك.

نفهم لماذا قفز على كلمة "الوحدة"، لكن ما لم يكن مفهوماً هو قفزه على كلمة "الجمهورية"!

كما لو أن التخلي عن الجمهورية من لوازم الانفصال!

ومع ذلك ليس هذا موضوع المقال.

إذ سنتخذ من واقعة اليمين الدستورية في عدن مدخلاً للتعليق على المعضلة اليمنية برُمَّتها.

لعل من المناسب في هذا الصدد أن نبدأ بالسؤال عما إذا كان الزبيدي يمتلك فكرة عن كيفية توحيد أو الحفاظ على "وحدة الجنوب" الذي ينادي بانفصاله عن الشمال ويناضل لأجل ذلك؟

نحن هنا نفترض أن الزبيدي، بما أنه يعلِّق على صدره عَلَم "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، يحمل على عاتقه همّاً وطنياً توحيدياً جنوبياً، مثلما نفترض أن من يعلّقون عَلَم الجمهورية اليمنية يحملون همّاً وطنياً توحيدياً يمنياً.

يأخذنا هذا السؤال لالقاء نظرة خاطفة على التاريخ.

يعرف الجميع تقريباً أن جنوب اليمن لم يتحِّد ككيان سياسي إلا في الستينات من القرن الماضي دون سابقة تاريخية مطابقة لحدوده الجغرافية، بينما اتَّحَد اليمن ككل عام 1990، وهناك سوابق تاريخية قديمة لهذا التوحيد، مع اختلافات في حجم النطاق الجغرافي المشمول بعملية التوحيد، وإن كانت وحدة عام 1990 أرقى وأحدث من كل السوابق.

كان الجنوب اليمني في ظل الحماية الانجليزية منقسم إلى 25 سلطنة وإمارة، وكان العنف الثوري أداة رئيسية في عملية التوحيد والدمج التي تكللت بإعلان الاستقلال عام 1967.

سنفترض أن دولة اليمن الواحد استمرّت فعلياً من 1990 إلى 2015، خمسة وعشرون عاماً، أما إسمياً فهي مستمرة إلى اليوم،

في حين أن الدولة في الشطر الجنوبي استمرت من 1967 إلى 1990، أي ثلاثة وعشرون عاماً.

انطلاقاً من هذه الحقيقة الصغيرة، بودّنا فقط لو نعرف الطريقة التي ينوي اللواء عيدروس الزبيدي أن يحافظ بها على وحدة الثلاثة وعشرون عاماً (الجنوبية)، لكي يكون مُرشداً وقدوة لأنصار وحدة الخمسة وعشرون عاماً (اليمنية) الذين باتوا يعيشون في السنوات الأخيرة التباساً أخلاقياً مريعاً بشأن ماهية الطرق "الصحيحة" و"المشروعة" للحفاظ على وحدة الأوطان أو التنازل عنها، وهو التباس ناتج عن عمليات شجب وازدراء أخلاقي طالت معظم الطرق التقليدية الممكنة التي تدافع بها الدول عن وجودها واستمرارها.

مع العلم أن وحدة الثلاثة وعشرون عاماً (الجنوبية) حلّت نفسها عام 1990 وفقدت صفتها القانونية الدولية، بينما وحدة الخمسة وعشرون عاماً (اليمنية) لا تزال تتمتع بالصفة القانونية الدولية حتى هذه اللحظة، وبالتالي، فعُمرها يصل اليوم إلى 32 عاماً.

ومن المعلوم أن الانقسام الثنائي لليمن على أساس جهوي إلى "يمن شمالي" و"يمن جنوبي"، وفقاً لحدود الدولتين قبل العام 1990، لم يكن انقساماً يستند إلى إرث تاريخي قديم.

إنّ المضمون السياسي لكلمتي "شمال" و"جنوب" حديث للغاية، ومن الممكن أن نعثر على بداياته، ومراحل تطوره، والقوى الخارجية التي ساهمت في رسم حدوده الجغرافية.

بشكل عام، فالشمال هو ما كان يشكِّل منطقة نفوذ للعثمانيين من 1872 إلى 1918، والجنوب هو ما أصبح يشكِّل بالتدريج منطقة نفوذ للإنجليز منذ 1839 إلى 1967.

بناءً على هذا التحديد الجغرافي لمناطق النفوذ، والذي صادق عليه الجانبين العثماني في صنعاء والانجليزي في عدن أوائل القرن الماضي، أصبح لفظ "اليمن" يشير إلى مجالين تاريخيين بمسارات تطور سياسية واجتماعية متباينة إلى هذه الدرجة أو تلك.

ورغم الإعلان عن دمج دولتي الشمال والجنوب، عام 1990، في دولة واحدة اسمها "الجمهورية اليمنية"، وعاصمتها صنعاء، إلا أن آثار خط التقسيم ذاك لم تختف كُليَّاً من النفوس والأذهان بالتزامن مع طمس ذلك الخط من الخريطة وعلى أرض الواقع، وإلّا لما كان هناك اليوم مجلس انتقالي جنوبي ولا زبيدي.

واعتاد الوطنيون اليمنيون، خلال القرن الماضي، على الاعتقاد بأن الخط الفاصل بين الشمال والجنوب خطاً استعمارياً مصطنعاً ولا يقوم على حقائق طبيعية جغرافية، ولا على أصول تاريخية عتيدة، أو أسس دينية أو مذهبية أو عرقية.

هذا صحيح إلى حدٍّ كبير.

مذهبياً، الجنوب اليمني (منطقة النفوذ الإنجليزي ولو اسمياً) لم يضم كل المناطق اليمنية التي يسكنها أغلبية "شافعية"، بل كان يضم جزء من تلك المناطق فقط. ومن ناحية التضاريس، لم يضم الجنوب جميع الأراضي الواقعة ضمن ما يسمَّى "اليمن الأسفل"، أو يمن السهول والمنخفضات الساحلية، بل جزء منها فقط.

من الناحية العرقية الإثنوغرافية، ينحدر سكان الجنوب اليمني من أنساب قبلية قحطانية (حميرية، ومذحجية، وهمدانية كما في حضرموت)، وأنساب عدنانية هاشمية، إلى جانب خليط آخر من أصول غير عربية مثله في ذلك مثل الشمال.

في العقدين الماضيين، كانت الدولة اليمنية الموحَّدة هدفاً سهلاً للتفكيك الممنهج من خلال إثارة تظلّمات سياسية جرى التعبير عنها بلغة مناطقية وجهوية. لقد تم إيقاظ الذوات المناطقية والجهوية، أو اختلاقها من العدم، وتعبئتها سياسياً ضد مركز متخيَّل وصموه بـ "الهيمنة"، وشيطنوه على هذا الأساس.

ولن يكون اليوم بوسع روّاد هذه السياسة والمتأثرين بهذا الخطاب أن يؤسسوا دولة على أنقاض الدولة اليمنية المحطَّمة، لأن منطقهم القديم نفسه سيعمل ضدهم، فالظروف التي سمحتْ بنجاحه من قبل لا تزال مواتية في الوقت الحالي!

لن يؤسِّس هؤلاء لا دولة مركزية واحدة، ولا انفصالية، ولا حتى دويلات صغيرة. والسبب، كما ذكرنا، هو أنهم قد جعلوا من تعبئة الحساسيات المناطقية والجهوية أداة سياسية مشروعة في مواجهة كل عملية مركزة وتوحيد.

لن يستطيعوا أن يمنعوا أحداً مما سمحوا لأنفسهم به!

إننا نلاحظ اليوم شواهد حية على ما نقوله في المحافظات اليمنية الجنوبية التي يحاول الإنفصاليون بقيادة الزبيدي، منذ سنوات، أن يلعبوا فيها دوراً توحيدياً "جنوبياً"، إلا أن من الواضح أن المنطق التفكيكي الذي اعتمدوا عليه لنقض دولة الوحدة بالأمس يقاتل ضدهم اليوم في الجنوب.

في وسعنا الآن تلخيص أهم عناصر الفكر السياسي التفكيكي:

1) لا وحدة بالقوة. (وأمام هذا المبدأ لا فرق بين وحدة اليمن أو وحدة الجنوب أو حتى بعض الجنوب أو بعض الشمال. رغم أن الوحدة اليمنية لم تتم بالقوة فقط، بل كانت نتيجة لمسار طويل من التفاوض والترتيب والتنسيق، وصولاً إلى التوقيع على اندماج الدولتين وسط تأييد جماهيري واسع النطاق، وكل ذلك كان مصحوباً باستفتاء شعبي على دستور دولة الوحدة. حرب صيف 1994 لا تلغي هذه الحقيقة).

2) لا حصانة لأيّ وحدة وطنية (شمالية أو جنوبية أو يمنية شاملة) من النقض والطعن في أخلاقية الوسائل التي تكفل استمرارها.

3) لا هيمنة لمنطقة ولا قبول لمركز توحيدي للدولة. (صحيح يجب أن تكون "الهيمنة" مرفوضة وفقاً لـ المبدأ المجرّد، غير أن شبهة "الهيمنة" -بحسب المفهوم التفكيكي- هي أعتى سلاح أخلاقي يمكن استخدامه لتعبئة المشاعر ضد كل سلطة مركزية يقف على رأسها رجل من هذه المنطقة أو العرق أو الجهة).

4) وأخيراً يميل النشاط التفكيكي إلى تفسير كل الحوادث والعلاقات والأدوار العامة بلغة مناطقية مشحونة بالتوتّر في سياق عاطفي عدائي لا يستثني شيء.

تاريخياً، هذه الدينامية السياسية تعمل وفقاً لمنطق هو على النقيض من منطق التأسيس والتوحيد الذي يتجلى في الواقع الاجتماعي كقوة جذب مركزي، لأن غايته إدخال الجزئي في الكُلِّي.

بالطبع، لا يقتضي التوحيد السياسي إلغاء التناقضات بل تنظيمها فحسب.

يعبِّر الانفصال إجمالاً عن طاقة عنيفة طاردة، ومنطقه الخاص هو منطق احتجاج ورفض ونبذ، لا منطق تجميع وتأليف ونَظْم.

وما دام التحرك السياسي، القائم على منطق انفصالي من هذا النوع، مشروعاً وممكناً طوال الوقت، فلن يكون بمقدور أيّ سلطة وطنية أو مركز توحيدي، في إطار اليمن الواحد أو في إطار جزء من اليمن، الاستجابة سلمياً لكافة الحركات الانفصالية دون أن يؤدّي ذلك إلى التفريط في وحدة التراب الوطني، وبالنتيجة تفريط الدولة في وجودها ذاته.

يقول الفرنسي بليز باسكال إن "أعظم الشرور الحرب الأهلية. فهي واقعة حتماً إذا شئتَ أن تُثيب الاستحقاق، لأن الجميع يقولون عندئذٍ أنّهم مستحِقُّون"، (بليز باسكال، الخاطرة رقم 313).

وهكذا فكل منطقة جغرافية ستتظلم، باسم الاستحقاق، ضد كل مركز سياسي توحيدي يشغل المنصب الأول فيه شخص من المنطقة أو الجهة المغايرة.

سيكون من السهل دائماً إدانة كل سلطة مركزية بشبهة الهيمنة والاستبعاد!

إنّ علل الثورات والاضطرابات والنزعات الانفصالية في اليمن تكون في الغالب أقوى من كل سياسة متبصرة وحكيمة.

وهذه العلل المادية متجددة ومصادرها لا تنضب، لأن اليمن يعاني من شحة رهيبة مزمنة في الموارد الحيوية، وهو ما يجعل من الدولة المركزية عاجزة عن إرضاء كل الطامحين في الشرف والمكانة والامتياز المتساوي، ولهذا سرعان ما ينصرف هؤلاء الطامحون إلى ممارسة التظلم والشكوى باسم مناطقهم أو مذاهبهم وأنسابهم، ثم يتحوّل التظلّم إلى تمرّد عنيف، أو حالة انفصالية مسلَّحة.

هذه المعضلة يمنية بامتياز، فهي تتجاوز ثنائية الشمال والجنوب.

وما يحتاجه "اليمن الكبير" ليبقى موحَّداً ليس أقل ولا أكثر صعوبة وتعقيداً مما يحتاجه "الجنوب" ليعود موحَّداً من جديد في دولة على حدود ما قبل 1990!