المشهد اليمني
الإثنين 15 يوليو 2024 06:42 مـ 9 محرّم 1446 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل
هل تحييد السعودية عن المشهد اليمني يجعل اليمن لقمة سائغة لإيران؟.. محلل سياسي يجيب الرئيس العليمي يجدد الشكر للكويت على دعمها للخطوط الجوية اليمنية بثلاث طائرات كوفية المعبقي ”محافظ البنك المركزي اليمني” تتحول إلى أيقونة وارتفاع أسعارها في الأسواق لكثرة الطلب ”صور” قرار مفاجئ من قبيلة الجعادنة بشأن المقدم عشال .. ماذا حدث بمنزل وزير الداخلية في عدن وما القرارات التي صدرت؟ الحوثيون يعتقلون مالك شركة شهيرة وموظف سابق في السفارة الأمريكي بصنعاء عاجل: هجوم جديد على سفينة غرب الحديدة استعدوا جيدًا.. أمطار غزيرة على 19 محافظة خلال الساعات القادمة.. وإطلاق تحذيرات مهمة هل كانت تعلم بتوقيت الهجوم ؟.. شاهد ماذا فعلت هذه المرأة خلف ”ترامب” أثناء محاولة اغتياله! برلماني إصلاحي يوجه رسالة لمحافظ البنك المركزي ‘‘المعبقي’’: ‘‘ننتظر تقديم استقالتك’’ المبعوثون الأمميون حماة الانقلاب الحوثي وصول مسؤولة أممية إلى محافظة الحديدة اندلاع حريق غامض في أحد البنوك بعدن

الأداء النقدي لزكاة الفطر (رؤية مقاصدية)

يثور معترك علمي سنوي نشط حول الأداء النقدي لزكاة الفطر بين توسيع وتضييق، ويحتدم خلاف يقظ تدور رحاه عند حدود الحمولة الدلالية التي تلقي بها النصوص في هذه القضية، وتروم هذه المقالة قيد عدد من النقاط التوضيحية نجلو مضامينها في السطور الآتية:

*أولًا:* صحيح أن زكاة الفطر عبادة، والعبادات جوامد لا تعلل عند الجمهور، إلا أن الخلاف في تعليل العبادات ينحصر في العلل المستنبطة لا النصية، ثم الخلاف في العلل المستنبطة يكمن في الجزئيات الفروعية أما كليات العبادات فمعللة .. وقطع منحى التعليل العبادي من الأصوليين إنما كان لملحظ العلة القياسية وليس العلة المقاصدية. والزكاة في صورتها العامة معلومة الهدف والمقصد وقد أوضح ابن جرير الطبري النتيجة التي تتغياها الزكاة بأنها لسد خلة المسلمين أو لسد خلة الإسلام، فقال: «الله جعل الصدقة في معنيين؛ أحدهما: سد خَلَّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته».

وزكاة الفطر معاملة معقولة المعنى، ومعلومة المقصد والعلة من تشريعها، وقد فهم فقيه الحلال والحرام الصحابي الجليل معاذ بن جبل - رضي الله عنه- هذا المعنى، عند أخذه للزكاة من أهل اليمن، حيث قال لهم: «ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين «، وقد ساقه فقيه الحنابلة العلامة ابن قدامة المقدسي وغيره من الأدلة في مدونة المغني (4/296) وعلق عليه قائلًا: «وهذا دليل على جواز إخراج القيم».

*ثانيا:* إذا تدبرنا النصوص الواردة في قصديتها كحديث ابن عباس «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر ، طُهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين» رواه أبو داود بسند حسن ، وحديث ابن عمر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «أغنوهم عن الطلب - أو السؤال - في هذا اليوم» رواه الدارقطني بسند ضعيف ، تجلت لنا قصدية مشروعية هذه الزكاة واضحة لمن له مراس مع أدلة التشريع، وملاحظة سلوك نصوصه، وهي: «إغناء الفقراء عن السؤال والحاجة في العيد ، تكميلا لسرورهم في مناسبته» ، وحاجة الفقير اليوم لا تقتصر على الطعام فحسب ، بل تتعدّاه إلى اللباس والحلويات وغيرها من احتياجات العيد، وقد رأيت من الناس من يأخذ الطعام ويبيعه بثمن بخس على أصحاب المطاحن والتموينات ليأخذ ثمنه يشتري به الملبس ومطلوبات العيد.

*ثالثا:* الذي يظهر لي أن العلة في تعيين الأصناف في الحديث ( شعير - تمر - زبيب - أقط) هي البيئة الاجتماعية ذلك الحين فيستحيل أن يصدر نص غير مراع لبيئته وملابساتها واحتياجاتها، وقد كانت الحاجة إلى الطعام والشراب ملحة ، وكانت نُدرة النقود أيضا شائعة، فمعظم معاملاتهم كانت تتم مقايضة، ولا يوجد كسر من الدرهم والدينار يوازي زكاة الفطر . فكيف للشارع الحكيم أن يتخطى أبعاد الزمكان ليخاطب زمنا آخر، بل إن أصل الشريعة العموم، والعموم يتحقق بالنقد ما لا يتحقق بالطعام.

والجدير بالإشارة هنا أن المزكي لا يحق له التصرف بزكاة المال في أن يشتري للفقير ما يراه مناسبًا؛ لأنه حق معلوم للفقير يتصرف به هو في ملكه كيف يشاء، وهذا ملحظ جيد في اعتبار القيمة في زكاة الفطر، ثم الفقير يرتب سلم احتياجاته وقوائم مشترياته.

*رابعا: * هناك عدد من الفقهاء رجحوا تلك العلة قديمًا وحديثًا وصحبوها في فتح باب الزكاة النقدية، وقد قال أبو إسحاق السبيعي التابعي الثقة: «أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام» ، وممن رأى هذا الرأي الحافظ ابن أبي شيبة، إذ ترجم له في مصنفه: (باب إعطاء الدراهم في زكاة الدراهم في زكاة الفطر) ، وذكر كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة، الذي جاء فيه: «يؤخذ من أهل الديوان، من أعطياتهم، على كل إنسان نصف درهم» يعني زكاة الفطر.

ورأى العلامة شمس الدين القرطبي المالكي في (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسيره لآية مصارف الزكاة، اعتبار سد حاجة الفقير بأي شيء يناسبه فقال: «وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأي شيء سد حاجتهم جاز، قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) فلم يخص شيئًا من شيء» اهـ .

أما أستاذ المقاصد الشرعية ورائدها الثاني من بعد الشاطبي الإمام محمّد الطاهر بن عاشور - فقد أجاز في الفتاوى التونسية 2/734) ) الإخراج النقدي فيها قال: «يجوز إخراج قيمة الصاع على قول ابن دينار وابن وهب وأصبغ من أصحاب مالك رحمهم الله، وهو الذي اختاره ابن رشد في البيان.»

ورجح هذا الرأي رائد موسوعة (فقه الزكاة) الدكتور يوسف القرضاوي، فبعد تحرير جيد للنصوص قال: لقد أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر من بعض الحبوب والثمار، كالشعير والتمر والزبيب، فقاس الشافعي وأحمد وأصحابهما كل ما يقتات، أو غالب قوت أهل البلد، أو غالب قوت الشخص نفسه، ولم يجعلوا هذه الأجناس المأخوذة مقصودة لذاتها تعبدًا، فلا يقاس عليها. واختارت هذا الرأي اليوم معظم المجامع الفقهية.

*وأخيرا أقول:* تسويق الإفتاء الإجباري عالميًا بوجوب إخراج الطعام دون غيره وحكاية عدم الإجزاء لمن أخرجها نقودًا غير سديد ولا مناسب، والأصل أن يتتبع حالة الأمن الغذائي المتوفر في أكثر مناطق العالم، وحاجة الفقراء إلى حرية التصرف بالصدقة، وقبل ذلك سهولة نقل الصدقة نقدًا من المتصدق إلى المسكين.

وكل هذه القضايا تغيب لأجل الجمود على ظاهر النص دون فهم لبيئته وملابساته والظروف المحيطة به.

والله تعالى أعلم.