المشهد اليمني
الأربعاء 29 مايو 2024 05:21 صـ 21 ذو القعدة 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل
”البحر الأحمر يشتعل: صواريخ حوثية تهدد الملاحة الدولية والقوات الأمريكية تتدخل وتكشف ماجرى في بيان لها” ”اللهمّ أجرنا من حرّ جهنّم”.. أفضل أدعية الحر الشديد جماهير الهلال في عيد... فريقها يُحقق إنجازًا تاريخيًا جديدًا! ”الحوثيين سيأكلون الآن من قمل ثوبهم”...كاتب سعودي يعلق على اقوى قرار للبنك المركزي بعدن ”ساعة في المطار... قصة تأخير رحلة طيران اليمنية! فضيحة كبرى ...صورة لوزيرة عربية تُثير ضجة بعد تسريبها مع رجل استرالي المشاط يهين ”صالح الصماد” وفضيحة جديدة تثير غضب نشطاء جماعة الحوثي ”الوجوه تآكلت والأطفال بلا رؤوس”: الصحافة الامريكية تسلط الضوء على صرخات رفح المدوية هل مقدمة للاعتراف بالانقلاب؟.. روسيا تطلق وصفا مثيرا على جماعة الحوثي بعد إفراج الأخيرة عن أسرى! عصابة حوثية تنهب شركة صرافة في محافظة الجوف فعلها في العام 2019...ناشطون بالانتقالي يدعون الزبيدي ”لإعلان عودة الإدارة الذاتية” منتدى حواري في مأرب يناقش غياب دور المرأة في العملية السياسية

مشوار عمر

أثناء وقوفي في شارع الستين بانتظار سيارة أجرة توقفت بجواري سيارة خصوصي ، في البداية ظننته أحد أصدقائي توقف ليوصلني ـ كثر الله خيره ـ لكن سائقها نزل وصافحني ثم فاجأني بقوله :

ــ تنتظر تاكسي يا أستاذ ؟

ـ أيوه .

ـ سأوصلك وحاسبني مثل التاكسي .

ركبت معه وأخبرته بوجهتي ، ولأن مشواري حينها كان طويلا ، وطال أكثر بسبب الزحام الذي يسبق رمضان عادة بدأت أتحدث معه لتمضية الوقت ، وجر الحديث بعضه حتى سألته عن أبيه وعمله ، لقد صعقت حين أخبرني وبكل هدوء أن والده يعمل في تجارة المخدرات .!

ــ أنت تمزح صح ؟!

سألته .

ـ أو قصدك أنه يبيع قات ؟

ـ أبي تاجر مخدرات فعلاً .

ــ أنت تتكلم جد ؟!

أوقف السيارة جانبا وفتح هاتفه وأراني صورة والده بجوار سيارة فخمة محاطاً بمرافقين.

قلت:

ـ مش كل واحد معه سيارة فخمة وحرس يتاجر في المخدرات .

وحينها أراني عدة صور لوالده بجوار عينات عدة من أكياس المخدرات ، ومبالغ مالية ضخمة ، وحقائب وأسلحة ، وعدة شوالات قات .

ــ ولماذا السلاح والقات بجوار المخدرات ؟

ضحك ساخراً وأجاب :

هي كلها منظومة واحدة .

ــ وبلا وعي سألته :

ــ طيب وأنت ... ؟

ـ قصدك لماذا لم أعمل معه ؟

أعاد تشغيل السيارة وتحركنا وبدأ يتحدث :

ــ ربما ستقول عني أنني غاوي فقر ، أنا كنت أقول : وماذا سيحدث لي؟ نحن فقط نسلم ونستلم ، لكن مقتل أخي في إطلاق نار من حرس الحدود السعودي جعلني أتوقف ، لقد قتلوه رغم أنه كان يخزن معهم دائماً في منفذ حرض ، ذات يوم وصلت لجنة من الرياض إلى المنفذ لترفع تقارير وتراقب العمل ، اللجنة وصلها بلاغ بوجود عملية تهريب قات ومخدرات فوجهت الدوريات هناك بمتابعة العملية والقبض على المهربين ، وحتى لا يتهم الضباط بالتواطؤ تحركوا بجدية ، كان أخي يقود صالون فيها بضاعة بمائة مليون ريال وأكثر ، وهنا قاطعته :

ــ مائة مليون ريال ؟

ــ أيوه المخدرات غالية جدا ، الكيس 200 جرام بعشرين ألف ريال سعودي .

حاول الهرب منهم لكنهم أطلقوا عليه الرصاص وقتل ، وصادروا السيارة بما فيها .

أراني صورته ، شاب في مقتبل العمر .

سالت دموعه وهو يروي :

ــ تصور أبي أنكر أن يكون له علم بعمل أخي ، وتبرأ منه أمام المشايخ والوجهاء في منطقتنا بعدما أذاعت وسائل إعلام سعودية مقتله في عملية تهريب مخدرات.!

أبي أمام الناس شيخ محترم يتاجر بالسلاح فقط ، لكن في الحقيقة يتاجر بكل شيء.!

لو تجلس معه مثقف جداً ويبهرك بطرحه ويقرأ كتب ، وفي رمضان يتوقف عن عمله ويتوب .

بعد مقتل أخي راجعت حساباتي ونصحتني أمي بالابتعاد عن الوالد وعمله ، باعت ذهبها وأعطتني قيمة السيارة ، لي فترة أحاول تغييرها إلى أجرة دون جدوى ، ما اشتغلت بها صرفتها ، أحياناً أتسلف قيمة البترول سلف ، بس تعرف : أنا مرتاح ، يعني مرتاح نفسيا ، متصالح مع ضميري .

ـ طيب ليش ما تنصح أبوك يترك هذا العمل ؟

ــ ما يستطيع يا أستاذ ، هذه عصابات دولية منظمة ، ضروري قرار استثنائي من الإدارة بالخارج .

وأضاف:

ـ أبي أصلا ما دخل المنظمة إلا بعد وساطات وضمانات من شخصيات كبيرة ، وبعد اختبارات مكثفة ، ودروات تدريبية ووو ألخ .

وتساءلت في نفسي:

ــ هل هذا الولد ساذج وعلى نياته حتى يخبرني بكل هذه الأسرار الخطيرة ؟! أم أنه يمثل علي فيلم هندي لأتعاطف معه ؟!

من يدري ؟

كل شيء جائز . لم أطمئن له تماماً لكنني أميل إلى تصديقه.

أنا شخص بعد حالي ولم أتخيل يوما أن ألتقي في بلادنا بمن يتاجر بهذه الأشياء ، كنت أراها في الأفلام فقط .!!

قررت أن أسمع المزيد منه ، على الأقل سأكسب فكرة قصة ، دعوته للعشاء على حسابي ، ونحن نتعشى أخبرته :

ــ بصراحة أنا غير مستوعب هذه القصة كلها.

فوجئ بحديثي الصريح فتوقف عن الأكل وكأنه تجمد ، ثم ظهر عليه الارتباك وهم بالوقوف والانصراف لكنني أقسمت عليه أن يكمل العشاء معي وحتى أزيل إحراجه قلت :

ــ أنت شاب صادق لكن القصة غريبة .

وأضفت :

ـ هل أخبرت أحد قبلي ؟

أرتشف جرعة من الماء وتحدث :

ــ أخبرت أحد الشباب لكني فوجئت به يطلب مني أن أتوسط له ليعمل مع والدي ، تصور هذا الشاب طالب بالجامعة ؟!

وشغلني بالفعل يريد العمل مع والدي ، جاء لي إلى الشقة أكثر من مرة وأنا أتهرب منه وأعتذر ، وأقسم له أني هارب من أبي أصلاً .

كل الذين أعرفهم ويعملون مع الوالد في تجارة المخدرات غرقوا في مشاكل لا أول لها ولا أخر ، مصابون بأمراض لا حصر لها ، واحد عنده صمامات القلب تعالج بالأردن وألمانيا وبالأخير مات بالمستشفى ، لا يمر عليهم شهر واحد دون نكبة ، أو حادث ، حياتهم جحيم حقيقي .

اشرب الشاي وأنصت له:

تصدق يا أستاذ لي ثلاث سنوات هنا ما زرت أحد ولا أحد زارني ، ولا تحدثت مع أحد إلا بكلام عام ، واحدة دكتورة كنت أوصلها لما أختها تأخذ سيارتها ، لما بدأت أكلمها عن أهلي وألمح لها عن عمل والدي خافت وما عاد تتصل بي أوصلها .!

الواحد محتاج إنسان يتكلم معه ، يفضفض ، الوحدة قاتلة ، عايش لوحدي حياتي كوابيس ووحشة ، لكن الحمد لله أن رمضان جاء لأني سأرجع البلاد .. قاطعته :

ــ ترجع عند والدك ؟

ــ أرجع في رمضان إلى البيت من أجل أمي وأخواتي فقط ، الوالد في رمضان إنسان ثاني ، يعقد هدنة مع الله ومع خلقه .

ــ ولا يسألك أين كنت ؟!

ــ الوالد قال لي بصراحة:

ـ أنا قد تورطت في هذه التجارة وأنصحك تبتعد عنها .

ــ عجيب .!

ــ وما عرض عليك دعم تعمل لك مشروع ؟

ــ عرض علي ملايين ، حاول معي أسافر أدرس بالخارج ، لكني حرمت فلوسه رغم أن له تجارة أخرى في قطع غيار السيارات ، لكن أمواله ملوثة ولا خير فيها .

أنتهى مشواري معه ومازلت إلى الآن غير مصدق تماما للقصة التي رواها لي.!

*قصة قصيرة