المشهد اليمني
الأحد 23 يونيو 2024 10:05 مـ 17 ذو الحجة 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

ظهور لكع بن لكع الذي حذر منه النبي ﷺ وأخبر أنه ستقوم الساعة على يديه

تعبيرية
تعبيرية

هـذا زَمَانُكَ يا لُكَعْ *** فارْتَعْ فَحَسْبُكَ مَنْ رَتَعْ

هـذا زَمَانُكَ فانْطَلِقْ *** فِي خِفَّةٍ نَحْوَ المُتَعْ

واسْرَحْ كَمَا تَهْوَى بِهَا *** فَلَدَيْكَ حَتْمًا مُتَّسَعْ

واغْنَمْ مِن اللَّذَّات لا *** تَتْرُكْ مَجَالاً أَو تَدَعْ

إِنّـا لَنَعْلَمُ أَنَّ مـا *** قَدْ قِيلَ يَوْمًا قَدْ وَقَعْ

كَمْ مِنْ بَغِيضٍ ناقِصٍ *** وَلْهانَ أَثْقَلَهُ الشَّبَعْ

كَمْ مِنْ لَئِيمٍ فاجِر *** لاهٍ تَمَلَّكَهُ الفَزَعْ

في مسند الإمام أحمد أخرج بسند صحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تذهَبُ الدنيا حتى تصير لِلُكَعَ بنِ لُكَعَ»، وفي رواية: «يوشك أن يغلِبَ على الدنيا لُكَعُ بنُ لكعَ»، وفي جامع الترمذي، وحسنه البيهقي في دلائل النبوة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع».

والمعنى من الحديث هو أن الذين يتولون أمور المسلمين في آخر الزمان، وتؤول لهم آلية التصرف في أموالهم هم أخس الناس وأحقرهم، ودل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه في أمر العامة»، رواه ابن ماجه وأحمد، وله رواية بلفظ: «السفيه يتكلم في أمر العامة».

من هو لكع؟

ومعنى لكع هو: اللئيم، والخبيث، والخسيس، الدنيء، والوضيع، والمنحط، الذي لا يُعرف أصلُه، ولا يحمَد خُلقه، الذي لا يؤبه به لحقارته، يكون رأسًا في الرؤوس، كما تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصف لنا تغير الزمان، الذي تعلو فيه السِّفلة والأراذل، زمان يَسود فيه الباطل، ويتمكن فيه الأشرار، زمان يُرفَع فيه الفُجار، زمان يُلقَّب فيه السفهاء بألقاب الكبار، وتُعقَد لهم المجالس، وتُرفَع لهم الرايات.

وروى الحاكم والطبراني وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لا تقوم الساعةُ حتى يظهَرَ الفُحش والبخلُ، ويُخوَّن الأمينُ، ويؤتمن الخائنُ، ويهلِكُ الوعول، وتظهر التحوت»، قالوا: يا رسول الله، وما الوعول والتحوت؟ قال: «الوعول: وجوهُ الناس وأشرافُهم، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناسِ، لا يُعلَم بهم»، فشتان بين البيوتات الصالحة، والبيوتات الغامضة.

ما سارَ فِي دَرْبِ الهُدَى *** أَو قالَ خَيْرًا أوْ نَفَعْ

أَبْدَى البَشَاشَةَ كاذِبًا *** وَأَمَامَ شَهْوَتِهِ رَكَعْ

هَتَفَتْ لَهُ أَحْلامُـهُ *** فَهَفَا إِلَيْها واسْتَمَعْ

مُتَهَتِّكٌ مُسْتهْتِرٌ *** لا دِينَ فِيهِ وَلا وَرَعْ

يُرْضِيكَ مِنْهُ بِمَنْطِقٍ*** وَكَلاَمِ زَيْفٍ مُصْطَنَعْ

أَعْطَوْهُ سُدَّةَ مَنْصِبٍ*** مِنْ أَجْلِها كَمْ ذَا خَضَعْ

مِنْ شارِعٍ جاؤُوا بِهِ*** أَوْ مِنْ حُثَالَةِ مُجْتَمَعْ

وأَخُـو المُرُوءَةِ ضائِعٌ*** إِنْ قالَ قَوْلاً لَمْ يُطَعْ

مُسْتَصْغَرٌ وَمُشَرَّدٌ *** حَيْرانَ أَرَّقَهُ الفَزَعْ

ولعلك عزيزي القارئ تعرف هذا الصِّنف من الناس بعلامتهم الظاهرة، وهي فسادُهم وإفسادهم، فأينما وجدتَ خرابًا، وحيثما وجدت فسادًا، وأينما رأيت إجرامًا في الأمة، فاعلَمْ أن لُكَعَ وأبناءَه قد فرَّخوا هناك، قال ربنا - جل وعلا -: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾، هذه طبيعته، وتلك سجاياه، وكلٌّ يعمَلُ بطبعِه، فلا تتوقَّعْ من مجرمٍ إصلاحًا، ولا تتصوَّرْ من مفسد بناءً.

طباع لكع هي الغدر

ويروى في الأثر، أن عقربًا أراد أن يعبر النهر من الضفة إلى الضفة، فقال للضِّفدع: احمليني على ظهرِك، فقالت الضفدع: كيف آمَنُك وآمَنُ لدغتك؟ فقال العقرب: إنْ لدغتُكِ في وسط النهر، غرِقْنا أنا وأنت معًا، فتعجبت من منطق العقرب وانبهرت من فلسفته، فحملتْه على ظهرها، وبينما هم في وسط النهر، إذ تململ العقربُ فلدغ الضفدع، فغرِقت وغرق العقرب معها، وبينما هم كذلك، نظرت الضفدعُ إلى العقرب بعين متسائلة: ما الذي دعاك إلى فَعلتِك؟ فقال لها: اعذِريني، الطَّبعُ يغلِب.

ورغم ذلك فإن الخير في الأمة باقٍ إلى قيام الساعة، كما أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وإن العاقبة للمتقين، وإن النصرَ مع الصبر، وإن مصير لُكَعَ ومن معه إلى زوال؛ فقد قال الله - عز وجل - عنهم: ﴿ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴾، فالله - جل في علاه - لا يُحبُّ المفسدين.