الإثنين 15 أبريل 2024 07:10 مـ 6 شوال 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

مراسلات ”إمامية” بين صنعاء وحضرموت

أثناء بحثي في تاريخ وآداب حضرموت، أخذتني الصُدفة إلى الديوان الشعري الكامل لواحد من أشهر الأعلام الحضرمية في القرن الماضي: الفقيه والمؤرخ والشاعر عبدالرحمن ابن عبيدالله بن محسن السقاف الحسيني، مفتي الديار الحضرمية، المتوفي سنة 1375 هجرية 1956م.

تصفحت فهرس الديوان، ولفت نظري فصل عنوانه "الإماميات"، تحت هذا العنوان وجدت مجموع القصائد التي كتبها السقاف في مدح الإمام يحيى حميد الدين والاستنجاد به، وردود هذا الأخير على بعضها شعراً أو نثراً.

لم تفاجئني المدائح كثيراً،

فهذا من مألوف العادة في التاريخ العربي دون أن يكون له بالضرورة معنى مخصوص.

المفاجأة هي أن لغة التخاطب بين الإمامين (حميد الدين "الزيدي" والسقاف "الشافعي") تضمَّنتْ التأكيد، سواء بالتصريح أو بالتلميح، على أنهما "أبناء عمومة"، بل إن الإمام يحيى في رسالة جوابية يصف السقاف بـ "ابن العم بالنسَب الملاصق".

وفي القصيدة الخامسة من "الإماميات" (ص521) يستنصر السقاف الإمام يحيى، ويدعوه بحرارة إلى القدوم بجيوشه لإنقاذ حضرموت (التي أسماها وكرُ الأولياء) من عدوٍ ما يتهددها، لم يسمّه في القصيدة، لكن محقِّق وشارح الديوان يوضح في هامش الصفحة أن السقاف يشير إلى المستعمر البريطاني وحلفاؤه الموالين له (دون أن يسميهم أيضاً).

القصيدة تستعجل الإمام لأخذ زمام المبادرة والإسراع في النجدة.

ومما جاء فيها:

ولي وطنٌ مذ ألف عامٍ وأرضه

لزهر الهُدى أوجٌ وللأوليا وكرُ

أترتاح نفسي بعد ما أُوثِقَتْ له

حبائلُ في طياتها الغدر والمكرُ

إلى أن يقول:

فهل من خلاصٍ؟ هل لنا من وسيلةٍ

يُذادُ بها عن قُطرنا الطاهرُ الشرُّ؟

على موته أشفى ولكنَّه لهُ

من ابن حميد الدين سامي الذرى إصرُ

دَعَونا بيحيى في الخطوب ومن دعا

بيحيى لخطبٍ جاءه الفتح والنصرُ

خليفة خير المرسلين تسلسلتْ

وقائعه الغرا فأولها بدرُ

ثم يشير السقاف في القصيدة إلى أنه كتبها سراً لكي لا يمسه الضر:

وأنشأته في غفلةٍ من عواذلي

ولو علموا سرّي لمسَّني الضرُّ

فعجِّل بوفدٍ منك يحيا به الرجا

وتورقُ أشجار الأماني وتخضرُّ

وتستمر القصيدة على هذا المنوال.

الإمام يحيى من جانبه يرد برسالة مرفقة بقصيدة، وقد أومأ في الرسالة والقصيدة إلى أنه لا ينتظر إلا تمام الأسباب حتى يجيب نداء "ابن العم".

يقول الإمام يحيى في رسالته:

"من المقام الشريف بصنعاء؛ دار العدل والأمان، ومنازل الأئمة من أنجال سيد الخلائق؛ وطراز نظام الأكوان إلى محبنا الصادق، وابن العم بالنسب الملاصق ذي القول العضب واللسان الآخذ بمجامع القلب، الأجل العلامة وجيه الإسلام والنخبة في آل باعلوي الكرام ؛ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف؛ لا بَرِحَتْ أيدي الرعاية الأزلية؛ مُسْبِلة عليه برودَ الألطاف، ومهدية إليه صنوف مِنَنِ الأتحاف".

ثم يقول:

"ولنا بجهاتكم نيَّات، وسوف تظهر بعون الله على صفحة الثبوت والثبات، ويزكو من بذرها النبات، ولو تم لنا وجود الأسباب، لما وسعنا التأخير عن إجابة النداء؛ إلا ريثما توضع الرجل على الركاب، ولكنا الآن مشتغلون؛ بتقرير قواعد البلاد الدانية؛ حتى يتم التمكن من الالتفات إلى القاصية".

ومما جاء في قصيدة الإمام يحيى المرفقة مع الرسالة:

فلبيك يا ابن الأكرمين إجابةً

يبيدُ بها العاتي وينفلقُ الصخرُ

سيأتيك إن شاء الإله بعونه

فيزدان جيدُ الفضلُ والصدرُ والنحرُ

ولا سيما إن قام أبناء عمنا

بنصرة داعي الحقّ واستحكم الأمرُ

وتتوالى "إماميات" السقاف المطولة، ولكل منها مناسبة وقصة، وبعضها ينجح في تحريك قريحة الإمام فيرد عليها بمثلها.

سيجد القارىء قصيدة ينصح فيها السقاف الحكام العرب بمبايعة الإمام يحيى ليجتمع شمل العرب (ص533)، وقصيدة يمتدح فيها ولي العهد أحمد وأخرى موجهة إلى سيوف الإسلام محمد وعلي، وقصائد كثيرة موجهة إلى عبدالله الوزير، وقصيدة في ذم القات.

غير أن أقصى ما حصل عليه السقاف من المدائح والمخاطبات والزيارات، توصية خجولة من الإمام يحيى عام 1935م إلى حاكم عدن البريطاني الذي بدوره حرر رسالة إلى سلطان "الشحر والمكلا" يلتمس فيها معالجة "قضية السقاف" التي لا يعرف القارىء ماهيتها والتي بسببها رأيناه يستغيث بالإمام ويكتب راجياً وصول جيوشه إلى حضرموت "وكر الأولياء".

ومع ذلك، نجد السقاف في الصفحات التالية يقول أن قضيته ظلت على حالها.

ثم يعود من جديد للاتصال بالإمام وأولاده ورجال دولته.