المشهد اليمني
الأحد 26 مايو 2024 06:35 صـ 18 ذو القعدة 1445 هـ
المشهد اليمني رئيس التحريرعبد الرحمن البيل

اليمن مدفن كبير لشعارات وأحلام الحمقى والمجانين

اليمن بطبيعته مدفن كبير لشعارات وأحلام الحمقى والمجانين.

هذا البلد لم يكن مركزاً امبراطورياً ولا مرة، كالعراق وسوريا ومصر. ولم يكن نقطة انطلاق لعمل ناجح ينتهي بإسقاط امبراطورية كبيرة في مركزها والحلول محلّها.

تركيبته وإمكاناته المادية لم تسعفه يوماً للقيام بأدوار كهذه. أقصى ما يمكنك هنا أن تشكّل بؤرة تمرّد لازعاج الأقوياء.

اتركوا كل ما تعرفوه من هلوسات ومبالغات ومقارنات تبسيطية.

اليمن بلد فقير ضعيف هامشي يتعذّب فيه الانسان بضروراته الطبيعية منذ الأزل. اليمن يفضح الطموحات المجنّحة الكاذبة لغزو العالم أو إصلاحه بتمكين آل البيت أو آل الجن.

صحيح بلدنا عظيم في نواحي كثيرة، ونحن نحبّه لأنه بيتنا الذي لا نملك غيره، لكن ليس عيباً أن نعترف بأنه بلد الندرة والكدح والشقاء، لا أنهار ولا غابات ولا بحيرات نفط ولا كنوز وفيرة ولا أمطار متواصلة. اليمني "يكافح كل يوم بيأس لينتزع رزقه من تربة ضحلة على سفوح الجبال".

الشتات والتمزق والفوضى هذه هي الأقدار الكبرى الملازمة لليمن عبر التاريخ المعروف. وكلما بدأنا نصنع لأنفسنا قَدَراً مغايراً، خنقناه في مهده.

"الجمهورية اليمنية" هي أرقى تجاربنا وأعلاها شأناً بالمقارنة مع كل ما حدث لنا في ماضينا الطويل ومع كل ما يحدث لنا في حاضرنا منذ الانهيار. أقصد بالمقارنة مع التجارب التاريخية التي ضمّتْ اليمن بالكامل.

عندما نشهد عهود أرقى وأكمل منها، ذكروني حينها أعدّل حكمي.

مع إني على المستوى الشخصي لم ألحق خير الجمهورية اليمنية، كنت متعَب أكافح لكي أُوجَد. لم أكن من بين قوائم المستفيدين بصفة شخصية من تلك المرحلة. وأبي فلاح قروي بسيط، ضيّع أغلب سنوات حياته مغترب في السعودية. لست سليل عائلة توارثت السياسة والسلطة والنفوذ. لم نُبتعث إلى الخارج للتعليم العالي بفضل مكانة الأب أو العائلة. بعض هؤلاء ينظرون اليوم بترفّع مصطنع إلى الحقبة التي نالوا فيها أفضل الفرص. والبعض الآخر احتفظوا بمزاياهم في ظل الانهيار أو التحقوا بركب القوى الجديدة وأمّنوا لأنفسهم مواقع ممتازة.

وبالتالي، فتقييمي الايجابي للحقبة التي سبقت الثورة والانهيار، ليس متأثر على الإطلاق بأي وضع شخصي أو حسابات عائلية؛ بل هو خلاصة بحث وتأمل طويل في تاريخ اليمن ودراسة لطبائعه وخصائصه وإمكاناته.

ومع ذلك، نعم، نحن نستطيع من جديد.

الواقع القائم ليس حُكماً باتّاً لا يقبل الاستئناف.

لكن نستطيع ماذا؟

يجب أن نستطيع في البداية أن لا نكون بهذا القدر من السوء، بهذا القدر من الانحطاط والضياع، أن نعدّل اتجاه مصيرنا الكئيب الراهن.

ولطالما استطعنا أن نفعل.

ثم تتصاعد انطلاقاً من هذه النقطة طموحاتنا وأحلامنا في حدود ما نعرفه عن أنفسنا، عن إمكاناتنا وقيودنا وأمراضنا المزمنة.

أنا فقط ضد التبجُّح والوعود الطاووسية والأحلام الهوائية المهينة للعقل ولكرامة الانسان، ضد الخداع والغشّ والزّهو المجنون.

لم نكن نحكم العالم ولا يجب أن نكون قد حكمنا العالم ولا نصفه. لسنا أصل الأشياء ولا فصلها. هذا لن يساعدنا في شيء.

يمكن قبول مثل هذه الغنائيات لاستنهاض الهمم من جانب قوة وطنية فاعلة على الأرض، تبني وتؤسس وتبدع. نستمع إليها في الأغاني الوطنية لليمن الجمهوري وتقشعر أبداننا من التأثر والحنين.

لكن هذه الغنائيات مثبّطة ومنفّرة عندما تأتي ممن أسهموا في ضياع إرث البدايات الحديثة لبلادهم وجحدوها طمعاً في جمهوريات مستقبلية ستنعم بها الأجيال القادمة عندما تكون عظامنا رميماً.. ثم تفرغوا للثرثرة الفارغة عن أمجاد وأساطير الزمن الغابر!

نحن حضارة عريقة قديمة، لا شك في ذلك.

لكنها حضارة منسية مطمورة تعاني ما نعانيه نحن من النسيان والإهمال ربما بسبب عجزنا المتكرر عن أن نكون ونتحقَّق في التاريخ كدولة تبقى وتتراكم وتخرق العصور.

نعم، هيجل على حق، حتى لو أغضبنا الليبراليين الجدد، فالدولة هي أعلى تعبيرات التاريخ عن نفسه، لأنها "تستوعب في كيانها كل ما يتمخّض عنه هذا التاريخ".

نعتز بكل ما هو جيّد وعبقري في ماضينا، ونتعرّف في المقابل على تشوّهاتنا وأسرار التعب والرسوب المتكرر.

نحن اليوم خارج الجاهزية لكي يتحدّث بعضنا عن فتوحات وغزوات وحروب عابرة للحدود تحت عناوين دينية وطائفية مشبوهة.

لا أحد غيرنا يتربّص بنا الشرّ، لا أحد غيرنا يسهر للكيد لنا. الخارج في اليمن ليس سوى إمكانية من إمكانات الداخل.